محمد محمد أبو ليلة
64
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
بهذا نلاحظ أن الكاتب قد اقتحم منطقة حساسة من عالم القرآن ، دون خريطة أو معلومات صحيحة ودقيقة ، تبين له المعالم وتوضح له الغامض ؛ ودون دليل يهديه للمقدمات الصحيحة والنتائج الصائبة ، التي يمكن أن تترتب عليها . لقد ضل ويلش هنا في شعاب المسائل ومرامى القرائن القرآنية ؛ ولكي نبرز الخطأ الذي وقع فيه لا بد أن نعود مرة أخرى إلى الآيات التي ذكرها أو أشار إليها في سياق مناقشته للفظة " كتاب " في القرآن . بالنسبة لقوله تعالى : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ( 77 ) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ ( 78 ) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ( 79 ) ( الواقعة : 77 : 79 ) ، فالكتاب المكنون هو اللوح المحفوظ ، ومعنى " مكنون " أي محفوظ عند اللّه لا تصل إليه يد فتعبث به ؛ وقد وصف اللّه تعالى القرآن بأنه مكنون لتعظيمه وإعلاء قيمته وأهميته كما في قوله تعالى : كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ( 23 ) ( الواقعة : 23 ) ، قيل عنى بالكتاب المكنون الكتاب المحفوظ ؛ وقيل هو قلوب المؤمنين . « 1 » في آيات سورة الواقعة السابقة ، ردّ على كفار مكة ، الذين زعموا أن هذا القرآن من تنزلات الشياطين ؛ فأخبر اللّه تعالى أن القرآن في كتاب مكنون ، شأنه شأن سائر الغيوب ، التي استأثر اللّه بعلمها ، ولا تنزّل إلا بأمره ، وأنه لا يمسه إلا المطهرون ؛ أما الشياطين فإنهم عنه معزولون ، لا يصلون إليه ، ولا يقتربون منه ، فضلا عن أن يأتوا بمثله ؛ يقول تعالى : وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ ( 210 ) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ ( 211 ) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ( 212 ) ( الشعراء : 210 : 212 ) ، فالقرآن لا يمسه إلا المطهرون - أي الملائكة - وفي مقدمتهم جبريل عليه السلام ، الذي نزل به ؛ وفي الأرض فإنه ينبغي أن لا يمس القرآن من البشر إلا طاهر القلب ، وطاهر العقل ، وطاهر القصد والنية . روى أبو داود في المراسيل من حديث الزهري ، في الكتاب الذي أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بكتابته لعمرو بن حزم " لا يمس القرآن إلا طاهر " ، وفي هذه القرينة ، ننبه على تناقض الكفار في أوصافهم للقرآن ؛ فهم تارة يقولون إنه من إملاء الشياطين ، وتارة أخرى يقولون
--> ( 1 ) الراغب الأصفهاني . مفردات ألفاظ القرآن . ص 727 .